محمد حسين هيكل

28

حياة محمد ( ص )

مباحث الكتاب فدفعتني إلى مزيد من التفكير والمراجعة . ولشدّ ما أحرص على أن تكون هذه الطبعة الثانية أدنى إلى إرضاء هؤلاء العلماء جميعا ، وإن كنت لا أرى في البحث كله ، كما ذكرت في تقديم الكتاب ، إلا أنه بداءة بحث في موضوعه باللغة العربية وضع على الطريقة العلمية الحديثة . ومما أدىّ بي كذلك إلى تناول الطبعة الأولى بالتنقيح والزيادة ، أنني عدت إلى تلاوة الكتاب بعدها . بعد أن وقفت على ما أبدي عليه من ملاحظات لم يغب أكثرها عني أثناء وضع الكتاب ، فاقتنعت بضرورة الإفاضة في تمحيص بعض ما وردت الملاحظات عليه لإقناع أصحاب هذه الملاحظات بوجهة نظري وصواب حجتي . وقد هدتني مراجعاتي التي قمت بها لهذه الغاية إلى مواضع للتأمل جديرة بأن يتناولها كل كاتب سيرة النبي العربي . ولئن اغتبطت لأنني تناولت في الطبعة الأولى كل ما أشارت الملاحظات إليه ، لأنا اليوم أشد اغتباطا بأن أفيض في المباحث إفاضة أعتبرها ضرورية في هذه الدراسة التمهيدية لحياة أعظم إنسان عرفه التاريخ ، خاتم الأنبياء والمرسلين عليه الصلاة والسلام . وقد حاولت في هذا التقديم لطبعة الكتاب الثانية تمحيص طائفة من الملاحظات التي أبديت على طريقة البحث في الطبعة الأولى . وأضفت في آخر الكتاب فصلين تناولت فيهما أمورا مررت بموضوعها لماما في خاتمة الطبعة الأولى ، كما أني نقحت وأضفت في تضاعيف الكتاب ما رأيت تنقيحه أو إضافته بعد الذي هدتني إليه مراجعاتي وتأمّلاتي ، إتماما للبحث وإجابة لأصحاب الملاحظات عن ملاحظاتهم . أنصار المستشرقين والرد عليهم وفي مقدّمة ما أتناوله بالتفنيد رسالة وردت إليّ من كاتب مصري ذكر أنها ترجمة عربية لمقال بعث به إلى مجلة المستشرقين الألمانية نقدا لهذا الكتاب . ولم أنشر هذه الرسالة في الصحف العربية لأن بها مطاعن لا سند لها ؛ ولذلك تركت لصاحبها أن يتحمل تبعة نشرها إن شاء . ولم أر أن أذكر اسمه في هذا التقديم اقتناعا مني بأنه سيعدل عن نسبتها إليه بعد أن يقرأ تفنيدها . وخلاصة هذه الرسالة أن البحث الذي قمت به في « حياة محمد » ليس بحثا علميّا بالمعنى الحديث ؛ لأنني اعتمدت فيه على المصادر العربية وحدها ، ولم أرجع إلى مباحث المستشرقين الألمان من أمثال « فيل » و « جولدزهر » و « نولدكي » وغيرهم ولم آخذ بنتائج هذه البحوث ، ولأني اعتبرت القرآن وثيقة تاريخية لا محل لريبة فيها ، مع أن مباحث هؤلاء المستشرقين تدل على أنه حرّف وبدّل بعد وفاة النبي وفي الصدر الأول للإسلام ، واسم النبي بعض ما بدّل فيه ؛ فقد كان اسمه « قثم » أو « قثامة » ثم أبدل من بعد وصار « محمدا » ليتسنّى وضع الآية : « ومبشّرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد » إشارة إلى ما جاء في الإنجيل عن النبي الذي يجيء بعد عيسى . ويضيف الكاتب إلى أقواله هذه أن بحوث المستشرقين دلّت كذلك على أن النبي كان يصاب بالصّرع ، وأن ما كان يسميه الوحي ينزل عليه إنما كان أثرا لنوبات الصرع كانت تعتريه ، وأن أعراض الصرع كانت تبدو على محمد فكان يغيب عن صوابه ، ويسيل منه العرق ، وتعتريه التشنجات ، وتخرج من فيه الرغوة ، فإذا أفاق من نوبته ذكر أنه إليه وتلا على المؤمنين به ما يزعم أنه من وحي ربه . لم أكن لأعنى بهذه الرسالة ولا بتفنيد ما فيها لولا أن كاتبها مصري مسلم ولو أنه كان مستشرقا أو مبشرا لتركته ملقى حبله على غاربه ، يقول ما تمليه عليه أهواؤه وما تنضح به شهواته . وحسبي ما ذكرت في تقديم الكتاب وفي تضاعيفه إدحاضا لأقوال هؤلاء وأولئك . لكن كاتب هذه الرسالة إنما هو مثل لطائفة من شباننا ورجالنا المسلمين الذين يتلقّون كل ما يقوله المستشرقون بقبول حسن ، ويعتبرونه العلم الصحيح المعبّر عن